مرات اخويا روماني مكرم

لمحة نيوز


أنوار المكتب بالكامل.
وفي الظلام، سُمِع صوت باب بيتقفل من الخارج بإحكام.
وصوت خطوات بتبتعد بهدوء.
وكأن اللي بره كان سامع كل كلمة...
وعارف إنهم وصلوا للنقطة اللي ما ينفعش يكملوا بعدها اندفع محمود ووالد سحر نحو غرفة العناية المركزة.
القلبان يخفقان بعنف.
وأفكار لا تنتهي تدور في الرؤوس.
لكن ما إن وصلا إلى الباب حتى أوقفتهما الممرضة.
اهدوا... الوضع تحت السيطرة.
تنفس الجميع بصعوبة.
وسأل والد سحر
حصل إيه؟
أجاب الطبيب الذي خرج للتو
هبوط مفاجئ بسبب الإرهاق بعد العملية والكلام الكتير.
أغمضت أم سحر عينيها وهي تردد الحمد لله.
لكن التوتر لم يختف.
ففي يد محمود ما زالت الورقة التي كشفت اسمًا من العائلة.
وفي ذهنه ما زال السؤال الأكبر
من هو الشخص الذي ظل يخدع الجميع طوال هذه السنوات؟
جلسوا في غرفة الانتظار.
وأغلق المحامي الباب.
ثم قال
لازم نكمل دلوقتي.
أخرج مستند رقم 17 مرة أخرى.
ووضعه على الطاولة.
وأشار إلى أحد الأسماء.
ساد الصمت.
ولم يصدق محمود ما يراه.
لأن الاسم لم يكن اسم عماد.
ولا اسم أي شخص غريب.
بل اسم شخص كانت سحر نفسها تثق فيه.
شخص كان يدخل بيتها ويخرج منه بلا أي حرج.
قال والد سحر بصدمة
معقول؟!
أجاب المحامي
التحويلات كلها كانت مرتبطة بالحساب ده.
لكن ليه؟
لسه مش عارفين.
ثم أخرج ورقة أخرى من الملف.
وقال
ودي أخطر.
كانت نسخة من إفادة قديمة لم تُضم للتحقيق الأصلي.
إفادة شاهد اختفى بعد الحادث بأيام.
قرأ محمود السطور بسرعة.
ومع كل كلمة كانت الصورة تتضح أكثر.
الحادث لم يكن مقصودًا بالكامل.
لكن بعد وقوعه حدث شيء آخر.
شيء جعل بعض الأشخاص يعملون بكل طاقتهم لإخفاء الحقيقة.
وفجأة قال المحامي
الشاهد ده مات بعد الإدلاء

بالإفادة بأشهر قليلة.
ارتجفت أم سحر.
أما محمود فبدأ يشعر أن القصة كلها أكبر من مجرد حادث قديم.
وفي تلك اللحظة فتحت الممرضة الباب.
وقالت
سحر عايزة تشوف محمود.
دخل فورًا.
كانت سحر أضعف من قبل.
لكن عينيها كانتا أكثر هدوءًا.
جلست تنظر إليه للحظات.
ثم قالت
عرفتوا جزء من الحقيقة؟
أومأ برأسه.
عرفنا.
تنهدت.
ثم قالت
لسه فيه حاجة واحدة ناقصة.
اقترب منها محمود.
إيه هي؟
أشارت بضعف إلى الحقيبة الموجودة بجوار سريرها.
في جيبها الداخلي فلاش ميموري.
فتح الحقيبة بسرعة.
وبالفعل وجد وحدة تخزين صغيرة.
ابتسمت سحر ابتسامة مرهقة.
وقالت
عليها كل اللي قدرت أجمعه خلال الشهور اللي فاتت.
نظر إليها محمود بدهشة.
إنتِ كنتِ بتعملي كل ده لوحدك؟
أجابته
كنت بحاول أقفل الملف قبل ما المرض يسبقني.
شعر لأول مرة بحجم ما مرت به وحدها.
ثم أضافت
بس خلي بالك...
توقفت لثوانٍ بسبب التعب.
ثم همست
الشخص اللي بتدوروا عليه مش أخطر واحد في القصة.
ارتبك محمود.
يعني إيه؟
رفعت عينيها نحوه.
وقالت آخر جملة قبل أن يطلب الطبيب منها الراحة
اللي حرك كل الخيوط من البداية... اسمه مش موجود في أي ورقة من اللي معاكم.
ثم أغلقت عينيها من شدة الإرهاق.
وتركته واقفًا يحمل الفلاش ميموري في يده...
وقد أدرك أن كل ما اكتشفوه حتى الآن ربما لا يكون سوى بداية الحقيقة في الظلام التام، اتجمد الجميع مكانهم.
محمود حاول يفتح كشاف موبايله بسرعة، لكن إيده كانت بترتعش.
قال المحامي بصوت منخفض
ما تتحركوش... الباب اتقفل من برّه.
والد سحر وقف مكانه كأنه بيحاول يلتقط أي صوت.
وفجأة
صوت خطوات تاني في الممر.
لكن المرة دي كانت أقرب.
توقفت عند باب المكتب.
ثم خبط خفيف.
خبطتين بس.
بعدها صوت هادي
جدًا
محمود افتح.
تجمد محمود.
الصوت كان مألوف بشكل مستحيل.
رفع عينه في الظلام وقال بصوت مبحوح
إنت مين؟
رد الصوت بهدوء غريب
افتح بس وهتفهم كل حاجة.
المحامي همس بسرعة
ما تفتحش ده فخ.
لكن محمود كان واقف مش قادر يتحرك.
لأن الصوت كان شبه حد عمره ما كان يتوقع يسمعه هنا دلوقتي.
وفجأة
نور ضعيف رجع في المكتب.
الكهرباء رجعت نص تشغيل.
لكن الباب لسه مقفول.
ومع الضوء الخافت، ظهر على الأرض ظل واقف برّه الباب.
ظل لشخص واحد فقط.
لكن اللي خلى قلب محمود يقع في الأرض
إن الظل كان ماسك حاجة في إيده.
مفتاح.
نفس نوع المفتاح اللي فتح درج سحر.
خبط تاني على الباب.
أنا مش جاي أؤذيك أنا جاي أخلصك من الحقيقة اللي هتدمرك.
محمود اقترب خطوة بدون وعي.
المحامي مسكه من دراعه
محمود فوق ده اللي عايزين يمسحوا أي دليل بيه!
لكن محمود كان بيبص على الباب كأنه شايف الماضي كله واقف وراه.
قال بصوت منخفض
إنت ليه صوتك شبهه؟
سكت الشخص ثانيتين.
ثم قال الجملة اللي جمّدت الدم في عروق الجميع
لأنك طول عمرك كنت بتسمعني غلط أو يمكن ما كنتش عايز تصدق.
وفي اللحظة دي
انفتح الباب فجأة.
لكن ما كانش فيه حد واقف.
الممر كان فاضي تمامًا.
بس على الأرض
كان فيه ظرف جديد.
مكتوب عليه بخط واضح جدًا
محمود دي آخر فرصة قبل ما كل حاجة تتقلب ضدك.
وإيده اتلمست الظرف
وقبل ما يفتحه
سُمِع صوت باب المستشفى نفسه بيتقفل بعيد جدًا بقوة.
وكأن اللي كان هنا
اختفى عمدًا بعد ما خلّى النقطة الجاية تبدأ محمود ثبت نظره على الظرف ثواني طويلة، قبل ما يفتحه بإيد بترتعش.
جواه كانت ورقة واحدة بس.
قرأ بصوت منخفض
الحقيقة مش محتاجة دليل أكتر أنت جزء منها.
رفع رأسه ببطء، وملامحه اتغيرت تمامًا.
المحامي
قرب منه وقال بحدة
إيه الكلام ده؟
لكن محمود ما ردّش.
كان بيبص للفراغ قدامه كأنه بيربط كل الخيوط في دماغه لأول مرة بدون خوف.
وفي نفس اللحظة، ظهر ملف الفلاش على الكمبيوتر من غير ما حد يلمسه.
فتح لوحده.
وشغل فيديو تاني.
سحر ظهرت فيه، لكن المرة دي كانت أهدى، ونظرتها ثابتة
لو وصلت للرسالة دي، يبقى خلاص مفيش رجوع.
سكتت لحظة.
ثم قالت الجملة الأخيرة
مش كل اللي شارك في الجريمة كان عارف إنه بيشارك أحيانًا السكوت نفسه بيبقى توقيع.
سكون تام في المكتب.
محمود اتراجع خطوة.
وكأنه لأول مرة شايف نفسه من برّه القصة.
الدكتور اللي كان بيتكلم عنه، عماد، المستندات، المكالمات
كلها كانت بتدور حوالين شخص واحد كان موجود طول الوقت.
مش عدو خارجي
بل شخص كان بيصدق إنه بيعمل الصح.
محمود بص للمحامي وقال بصوت هادي غريب
اقفل الفلاش.
المحامي اتردد.
ليه؟
لأن مفيش حاجة تانية لازم تتفتح.
سكت.
ثم كمل
سحر ما كانتش بتحارب عشان تنتقم كانت بتحاول تمنع إن الحقيقة تدمر ناس أكتر.
رجع نظره للظرف على الأرض.
ثم قال
وأنا كنت جزء من اللي بيحصل حتى لو من غير قصد.
أم سحر صرخت
إنت بتقول إيه؟!
لكن محمود كان خلاص وصل لنقطة فهم مختلفة.
أخد نفس عميق.
اللي بيحرك كل ده مش شخص واحد.
دي سلسلة قرارات وكل واحد فينا كان فيها حلقة.
سكون.
ثم أغلق الكمبيوتر.
وأخذ الفلاش.
وقال
هنقف هنا.
المحامي استغرب
هنقفل القضية؟
محمود هز رأسه
هنقفل الدائرة اللي كانت بتاكلنا كلنا.
وفي اليوم التالي
سحر خرجت من المستشفى.
والتحقيق الرسمي اتقفل بإعادة تقييم شاملة بدون إعلان تفاصيل.
لكن في البيت، ماكنش فيه صراخ ولا اتهامات.
كان فيه صمت مختلف.
صمت ناس فهمت إن بعض الأسرار لو اتفتحت بالكامل
مش
بتكشف الحقيقة بس
دي بتغيّر معنى اللي كان فاكرينه حياة.
ومحمود قعد قدام سحر لأول مرة من غير غضب ولا دفاع.
وقال بهدوء
أنا مش عايز أعرف كل حاجة.
سحر بصت له.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
عشان كده هتبدأ تعيش بجد.

 

تم نسخ الرابط