مرات اخويا روماني مكرم

لمحة نيوز


دخولها العمليات كشفت حاجة ما كناش متوقعينها.
شعر محمود بأن قلبه يكاد يتوقف.
إيه هي؟
أجاب الطبيب
سحر كانت بتشتكي من إرهاق شديد وآلام متفرقة، فطلبنا مجموعة تحاليل وأشعات احتياطية.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والنتائج محتاجة مراجعة دقيقة جداً مع أكثر من استشاري.
لم يفهم أحد شيئاً.
لكن القلق عاد أقوى من الأول.
وفي تلك الأثناء، خرجت ممرضة أخرى من العناية المركزة.
اقتربت من والد سحر وقالت
المريضة فاقت لدقائق بسيطة قبل ما ترجع تنام بسبب المهدئات.
قفزت أمها من مكانها
قالت حاجة؟
أومأت الممرضة.
طلبت تشوف والدها أول ما يسمحوا بالزيارة.
ثم ترددت قليلاً وأضافت
وسألت سؤال غريب.
التفت الجميع إليها.
سألت إذا كان الظرف التاني اتسلم ولا لأ.
عقد محمود حاجبيه.
ظرف تاني؟
نظر والد سحر بدهشة
إحنا ما نعرفش أي ظرف تاني.
أخرجت الممرضة مفتاحاً صغيراً من جيبها.
كانت مسلماهولي قبل العملية، وقالت لو حصل أي حاجة أو لو فاقت بعد الجراحة أسلمه لوالدها.
تبادل الجميع النظرات.
الممرضة مدت يدها بالمفتاح.
وقالت
وقالت كمان إن المفتاح ده يخص درج مقفول في شقتها.
ازدادت الحيرة.
والد سحر أخذ المفتاح ببطء.
لكن قبل أن يتكلم أحد، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
وتغيرت ملامحه فجأة.
ده المحامي!
رد بسرعة.
ظل يستمع لثوانٍ فقط.
ثم قال
إيه؟! إنت متأكد؟
أغلق الهاتف ببطء شديد.
كل الموجودين كانوا ينظرون إليه.
فسأله محمود
في إيه؟
رفع والد سحر رأسه وقال
المحامي بيقول إن سحر زارته من أسبوعين.
شهقت أمها.
أما محمود فشعر بوخزة قوية في صدره.
وأكمل والدها
وسابت عنده ملف مغلق... وقالت ما يتفتحش إلا لو دخلت العملية.
ساد الصمت.
ثم أضاف بصوت منخفض
والملف ده فيه أوراق مهمة جداً تخص حياتها كلها.
وفي نفس اللحظة، فُتح باب العناية المركزة من جديد.
وخرج الطبيب الرئيسي مسرعاً وهو يبحث بعينيه عن أهل سحر.
وعندما رآهم قال جملة واحدة جعلت القلوب تتوقف للحظة
لازم حد منكم يدخل حالاً... سحر أصرت تقول حاجة بنفسها قبل ما نكمل الإجراءات تبادل الجميع النظرات في ذهول.
أم سحر كادت تسقط من شدة التوتر، بينما وقف والدها فوراً وقال
أنا هدخل.
لكن الممرضة أضافت بسرعة
هي طلبت شخصين بالاسم.
سكتت لحظة ثم قالت
طلبت والدها... ومحمود.
ارتبك محمود.
قبل دقائق فقط كان يهدد بالطلاق ويصرخ في الجميع.
والآن زوجته، الخارجة لتوها من عملية خطيرة، تطلب رؤيته.
دخل الاثنان

إلى غرفة العناية.
كانت سحر شاحبة جداً، لكنها واعية.
الأجهزة تحيط بها من كل جانب، وصوت نبضات القلب المنتظمة يملأ المكان.
اقترب والدها منها وربت على يدها برفق.
أما محمود فوقف بعيداً في البداية، لا يعرف ماذا يقول.
فتحت سحر عينيها ونظرت إليه مباشرة.
ثم قالت بصوت ضعيف
اقرب يا محمود... الوقت مش وقت خصام.
اقترب ببطء.
كانت هذه أول مرة يرى آثار ما مرت به على وجهها بهذا الوضوح.
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت
أنا عارفة إنك زعلان.
لم يرد.
فأكملت
بس فيه حاجات عملتها قبل العملية كان لازم أعملها.
نظر إليها والدها باستغراب.
فسألت سحر
المفتاح وصل؟
أيوه.
والظرف الأول اتقرا؟
هز محمود رأسه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ثم قالت
كويس.
ساد صمت ثقيل.
ثم نظرت إلى والدها وقالت
الملف اللي عند المحامي لازم يتفتح النهارده.
قطب والدها حاجبيه.
فيه إيه في الملف؟
أغمضت سحر عينيها لثوانٍ كأنها تجمع قوتها.
ثم قالت
حاجة كنت مخبياها عن الكل من سنين.
حتى محمود رفع رأسه فجأة.
لم يكن يعرف عن أي شيء تتحدث.
قالت بصوت متقطع
كنت مستنية الوقت المناسب... لكن واضح إن الوقت المناسب جه.
وفجأة بدأ جهاز المراقبة يصدر تنبيهاً خافتاً.
أسرعت الممرضة نحوها.
لكن سحر رفعت يدها بإصرار.
ونظرت إلى محمود للمرة الأخيرة قبل أن يطلب الأطباء خروجهما.
وقالت
لما الملف يتفتح... هتعرف إن القرار اللي أخدته النهارده ما كانش أول مرة أنقذ فيها حياتي.
تجمد محمود.
أما والدها فبدا عليه الذهول.
دخل الأطباء بسرعة وطلبوا منهما الخروج فوراً.
عاد الاثنان إلى الممر.
كانت أم سحر تنتظر بفارغ الصبر.
وبعد أقل من ساعة، وصل المحامي بنفسه إلى المستشفى حاملاً حقيبة جلدية سوداء.
اقترب منهم وقال
المدام سحر كانت واضحة جداً في تعليماتها.
أخرج ملفاً سميكاً مختوماً بالشمع الأحمر.
ووضعه على الطاولة الصغيرة في الاستراحة.
ثم قال
قبل ما نفتحه، لازم تعرفوا إن اللي جواه هيغير نظرة ناس كتير لأحداث حصلت من سنين.
نظر الجميع إلى بعضهم في صمت.
فتح المحامي الختم ببطء.
وأخرج أول مستند.
ما إن وقعت عين والد سحر عليه حتى اتسعت عيناه بشكل غير طبيعي.
ثم جلس على الكرسي فجأة وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
أم سحر صرخت
في إيه؟!
لكن الرجل لم يجب.
كان ينظر إلى الورقة وكأنه يرى شبحاً من الماضي عاد للحياة من جديد...ارتعشت يد والد سحر وهو يمسك الورقة.
المحامي أخذ نفساً عميقاً وقال
أستاذ
عبد الرحيم... حضرتك لازم تهدى.
لكن الرجل لم يكن يسمع.
كانت عيناه مثبتتين على المستند.
أم سحر خطفت الورقة منه بسرعة.
وما إن قرأت السطر الأول حتى وضعت يدها على فمها من شدة الصدمة.
معقول...؟!
قفز محمود من مكانه
حد يفهمني! فيه إيه؟
نظر المحامي إليه ثم قال
الورقة دي عبارة عن تقرير رسمي قديم.
تقرير إيه؟
فتح المحامي الصفحة الأولى بالكامل.
وقال
من سبع سنين.
ساد الصمت.
وأكمل
يوم الحادثة اللي سحر كانت هتفقد فيه حياتها.
ارتبك الجميع.
حتى محمود لم يكن يعرف شيئاً عن حادثة كهذه.
فقال
حادثة إيه؟
تنهد والد سحر وقال بصوت مبحوح
إحنا عمرنا ما حكينا لحد التفاصيل.
جلس الجميع يستمع.
وأكمل الرجل
سحر وهي عندها عشرين سنة تعرضت لحادث كبير جداً.
أخفض رأسه.
والدكتور وقتها قال إنها نجت بمعجزة.
رفع محمود حاجبيه.
لكن المحامي أخرج مستنداً ثانياً.
وقال
المهم مش الحادث.
أمال إيه؟
الاسم الموجود في التقرير.
نظر الجميع إلى الصفحة.
وكان هناك اسم شخص آخر مذكور كشاهد ومنقذ للحادث.
اسم لم يتوقع أحد رؤيته.
تغير وجه محمود فجأة.
لأنه عرف الاسم فوراً.
همس
مستحيل...
رفع المحامي رأسه.
تعرفه؟
أجاب محمود بصوت مرتجف
ده اسم والدي.
ساد صمت ثقيل.
والد محمود كان قد توفي منذ سنوات.
ولم يكن أحد يعلم أي علاقة تربطه بسحر قبل زواجها.
بدأت الأسئلة تتزاحم في العقول.
لكن المحامي لم ينتهِ بعد.
أخرج ظرفاً صغيراً آخر من الملف.
وقال
وده الجزء اللي أوصت سحر إنه يتقري بعد العملية مباشرة.
فتح الظرف.
وأخرج رسالة مكتوبة بخط يد سحر.
بدأ يقرأ
لو وصلتوا للجزء ده، يبقى أنا قدرت أواجه خوفي وأعمل العملية.
فيه سر احتفظت بيه سنين طويلة، مش عشان أخدع حد، لكن عشان ما أوجعش ناس بحبهم.
ازدادت دقات القلوب.
وأكمل المحامي القراءة
من سبع سنين، يوم الحادثة، الشخص اللي أنقذ حياتي كان والد محمود.
نظر محمود إلى الأرض غير مصدق.
أما الرسالة فاستمرت
بعد الحادث، اكتشفت إن الرجل ده دفع جزء كبير من تكاليف علاجي من غير ما يعرفني شخصياً، ورفض يقول لأي حد.
دمعت عينا أم سحر.
لكن السطر التالي كان أغرب من كل ما قبله
وقبل وفاة والد محمود بشهور، سلمني أمانة وطلب مني ما أتكلمش عنها إلا في وقت الضرورة.
رفع الجميع رؤوسهم دفعة واحدة.
حتى المحامي توقف لحظة قبل أن يكمل.
الأمانة موجودة في الدرج المقفول اللي مفتاحه مع بابا.
نظر الجميع إلى المفتاح الصغير الموجود
على الطاولة.
وشعر محمود بقشعريرة تسري في جسده.
لأن والده لم يترك له أي حديث عن هذه الأمانة طوال حياته.
ثم أكمل المحامي
ولما تفتحوا الدرج... هتعرفوا ليه كنت مصرة أتمسك بالحياة مهما حصل.
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن صمت خوف...
بل صمت انتظار.
انتظار لما يوجد داخل ذلك الدرج المغلق، والذي يبدو أنه يحمل سراً ظل مدفوناً سنوات طويلة، وربما يكون مرتبطاً بوالد محمود أكثر مما يتخيل أي شخص منهم في تلك الليلة لم يستطع أحد الجلوس دقيقة واحدة في مكانه.
كل العيون كانت معلقة بالمفتاح الصغير الموضوع فوق الطاولة.
محمود كان شاردًا تمامًا.
فكرة أن والده الراحل كان يعرف سحر قبل سنوات من زواجهما كانت كافية لقلب كل ما يعرفه عن حياته رأسًا على عقب.
قال والد سحر بحزم
هنروح الشقة حالاً.
اعترضت أم سحر
والبنت؟
الدكاترة قالوا حالتها مستقرة دلوقتي.
أما محمود فلم ينطق بكلمة.
بعد أقل من ساعة كانوا جميعًا داخل شقة سحر.
اتجه والدها مباشرة إلى غرفة النوم.
كان يعرف مكان الدرج الذي تقصده.
فتح الخزانة.
ثم أزاح بعض الملابس والعلب القديمة.
وفي الخلف تمامًا ظهر درج خشبي صغير عليه قفل معدني قديم.
أخرج المفتاح.
وأدخله ببطء.
صدر صوت طَق.
وانفتح الدرج.
ساد الصمت.
ثم سحب والد سحر محتوياته للخارج.
لم يكن هناك ذهب.
ولا أموال.
ولا عقود أملاك كما توقع البعض.
بل صندوق معدني صغير.
وفوقه ظرف أصفر كبير.
كتب عليه بخط واضح
يُفتح بحضور محمود فقط.
تبادل الجميع النظرات.
نظر والد سحر إلى ابنه ثم سلمه الظرف.
كانت يد محمود ترتجف وهو يفتحه.
أخرج عدة أوراق وصورة قديمة.
وحين وقعت عيناه على الصورة، شحب وجهه فجأة.
كانت صورة لوالده.
لكن المفاجأة أن الصورة لم يكن فيها وحده.
بل كان يقف بجواره رجل آخر.
رجل يعرفه محمود جيدًا جدًا.
تراجع خطوة للخلف وهو يهمس
لا...
اقترب والد سحر وسأله
في إيه؟
رفع محمود الصورة ببطء.
ده... ده عماد.
مين عماد؟
شريكي السابق.
ساد الصمت.
فشريكه عماد كان قد اختفى من حياته منذ سنوات بعد خلاف مالي كبير.
ولم يتخيل يومًا أن يرى صورته بجوار والده.
لكن الصدمة الأكبر كانت في الورقة التالية.
فتحها بسرعة.
فوجد خطابًا مكتوبًا بخط يد والده.
بدأ يقرأ
يا محمود... لو وصلت للرسالة دي، فمعناه إن الظروف أجبرت سحر تكشف الحقيقة اللي طلبت منها تخفيها.
تسارعت أنفاسه.
وأكمل
فيه دين قديم في رقبتي كان لازم
يترد.
نظر محمود إلى السطر التالي.
فتجمد مكانه تمامًا.
عماد اللي تعرفه باسم شريكك... هو نفس الشخص اللي تسبب في الحادث اللي كانت هتموت فيه سحر زمان.
شهقت أم سحر.
أما والدها فوقف فجأة من مكانه.
واصل محمود القراءة وعيناه تتسعان مع كل كلمة
وقت الحادثة كان هربان،
 

تم نسخ الرابط